السيد هاشم البحراني
517
البرهان في تفسير القرآن
وقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : « فهل يقطع على من حج مكة ، وهل يخاف أهل مكة ، وهل تذهب أموالهم ؟ » . قال : بلى . قال : « فمتى يكونون آمنين ؟ بل فينا ضرب الله الأمثال في القرآن ، فنحن القرى التي بارك الله فيها ، وذلك قول الله عز وجل . فمن أقر بفضلنا حيث أمرهم الله أن يأتونا ، فقال : * ( وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها ) * أي جعلنا بينهم وبين شيعتهم القرى التي باركنا فيها * ( قُرىً ظاهِرَةً ) * ، والقرى الظاهرة : الرسل ، والنقلة عنا إلى شيعتنا ، وفقهاء شيعتنا إلى شيعتنا . وقوله تعالى : * ( وقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ ) * ، فالسير مثل للعلم * ( سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأَيَّاماً ) * ، مثل لما يسير من العلم في الليالي والأيام عنا إليهم في الحلال ، والحرام ، والفرائض ، والأحكام * ( آمِنِينَ ) * فيها إذا أخذوا من معدنها الذي أمروا أن يأخذوا منه ، آمنين من الشك والضلال ، والنقلة من الحرام إلى الحلال لأنهم أخذوا العلم ممن وجب لهم أخذهم إياه عنهم بالمعرفة « 1 » ، لأنهم أهل ميراث العلم من آدم إلى حيث انتهوا ، ذرية مصطفاة بعضها من بعض ، فلم ينته الأمر « 2 » إليكم ، بل إلينا انتهى ، ونحن تلك الذرية المصطفاة ، لا أنت ، ولا أشباهك ، يا حسن . فلو قلت لك حين ادعيت ما ليس لك ، وليس إليك : يا جاهل أهل البصرة ، لم أقل فيك إلا ما علمته منك ، وظهر لي عنك ، وإياك أن تقول بالتفويض ، فإن الله عز وجل لم يفوض الأمر إلى خلقه وهنا منه وضعفا ، ولا أجبرهم على معاصيه ظلما » . 8774 / [ 12 ] - وعنه في ( الاحتجاج ) : أن الصادق ( عليه السلام ) قال لأبي حنيفة لما دخل عليه ، قال : « من أنت ؟ » قال : أبو حنيفة . قال ( عليه السلام ) : « مفتي أهل العراق ؟ » قال : نعم . قال : « بم تفتيهم ؟ » . قال : بكتاب الله ، قال ( عليه السلام ) : « وإنك لعالم بكتاب الله : ناسخه ، ومنسوخه ، ومحكمه ، ومتشابهه ؟ » . قال : نعم . قال : « فأخبرني عن قول الله عز وجل : * ( وقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأَيَّاماً آمِنِينَ ) * أي موضع هو ؟ » قال : أبو حنيفة : هو ما بين مكة والمدينة . فالتفت أبو عبد الله ( عليه السلام ) إلى جلسائه ، وقال : « نشدتكم بالله ، هل تسيرون بين مكة والمدينة ولا تأمنون على دمائكم من القتل ، ولا على أموالكم من السرق ؟ » . فقالوا : اللهم نعم . فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : « ويحك - يا أبا حنيفة - إن الله لا يقول إلا حقا ، أخبرني عن قول الله عز وجل : ومَنْ دَخَلَه كانَ آمِناً ) * « 3 » ، أي موضع هو ؟ « قال : ذلك بيت الله الحرام . فالتفت أبو عبد الله ( عليه السلام ) إلى جلسائه قال : « نشدتكم بالله ، هل تعلمون أن عبد الله بن الزبير ، وسعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل ؟ » . قالوا : اللهم نعم . فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : « ويحك - يا أبا حنيفة - إن الله لا يقول إلا حقا » . فقال أبو حنيفة : ليس لي علم بكتاب الله ، إنما أنا صاحب قياس - وساق حديثا طويلا - .
--> 12 - الاحتجاج : 360 . ( 1 ) في « ج » : ممن وجب لهم بأخذهم إيّاهم عنهم المغفرة . ( 2 ) في « ج » والمصدر : الاصطفاء . ( 3 ) آل عمران 3 : 97 .